Powered By Blogger

2017-08-30

ما سمعتُ بالعيدِ





الصندوقُ عَلاهُ الغضبُ، فثوبي شاخَ بداخله.

أنتظرُ صوتَ الأذان ليهلّل،
وما سمعتُ بالعيد!!

شرائطُ العيدِ الذهبيةُ
سقطتْ عن جدائلي قبل أوانها
تتألم.

ومعمولُ العيدِ خَبزتُه أمي لي
قبل رحيلها، واحترق في علبه.

لا أحملُ بيدي إلا دموعاً ودماءً،
ووجهاً مشرداَ بين أكوامِ الحجارة.

ودفاتري تمزّقتْ حزناً لفراقي.

صرخاتٌ ليتامى
مثلي، تطردُ النّوم عن جَفني.


أوجاعُ الأبنيةِ أصمَّ ملاعبَ العيدِ،
والأراجيحُ تتخابطُ بِبعضها بجنون.

تسألُ عن روّادِ الفرحِ وضحكاتهم.

وأنا وحيدة في عالم من ذئاب وافتراس.
فهلْ سمعتمْ بي؟

أنا الطفولةُ المغتالةُ والمسفوكُ دمُها بينكم.
ولا بيتَ لي سوى غربتي ووجعي.

آهٍ منكم يا ..
أبثُ لله شكوايَ وهمومي.

2017-08-24

عندما تتألم الأرض

الهواءُ محبوسٌ..
 مارد في قمقمٍ

يتقلّبُ كجبهةٍ ترنو السجودَ
والجبينُ معفّرٌ


السهول مشغولة،
والقطعان تجري لمستقر لها


قوافلٌ مَسّها الخرفُ باكرا
صوتها درسٌ يتردد
من زمن سحيق


يرتطمُ الوحي بزجاجٍ يحترق
فينزفُ صراخا ويستشهد


وشمهُ أحمر، يتألمُ ومن
بعدها يرتقي


ليلٌ فرّ من بين يدين
مشغولة بالولاء


الوطن، هو القضية،
والكثير الكثير من الخطى
غير المسموعة


أصواتهم لا صدى لها
إلا السكوت والانقطاع


والألمُ، سيّد القلب، يتبتلُ
والحسرةُ تلاحقه كظله


الروحُ تبكي بصمتٍ
الجدران من حولها سدود صاخبة


لا منافذ فيها ولا هواء

ضاق صدرها

بوحها من فوهة الصمود

المخاض ألمه عظيم. 

تصرخ..

ومن ثم تنتفض
ستولدُ أنفاس الحقيقة غداً


الكفُّ متمرّد يهوى التحليق
لا جدوى مع من باع
نفسه بثمنٍ بخسٍ


إنْ اقتربت السماء
قطعنا الأنفاس. 


وضاجت الأرض.. 

تكلمت.. 


 هُدرت صباحات الطفولة
وسُحقت كرامات الصابرين


داسوا حتى ثوب
العروس الأبيض


الثمن باهظ
والشياطين تتوافد


نادت:
ها أنا أقترب من خط النهاية


رايتي خفاقة
لا كرايتكم المهزومة


أتنفسُ،
لا كيوم ولدتني أمي


باغتني انكسارٌ مرير
وفيوض الدمع تجري بلا قرار


أزفرُ كطير اصطادته
رصاصة الموت


شبحه يراودُ شجوني

سِكّيرٌ حتفي يترنح، يقول:
للغد الآتي أنشودة غنتها أوطان قبلي


أعرفها وأرنّمها كلّ حين


نيزكٌ محترقٌ من غدرٍ أرديتهُ قتيلا
وصل رمادا، 

لا،
 بل خرافة.

لا تفرح أيها المتربص بحريتي،
أنواركَ بعيدة خافتة

كأنك لم تسمع بالسراب؟

أنا أمكَ التي طالها عقوق من أرضعته


وأنت أيها الخائن، نكأتَ جراحي
وزرعتني وجعا


سيلهب التاريخ بقصص من صمود.. 

ليحترق قربانك الأخرق !!

وسموتُ أنا وأبناء بطني

ما ضاع قوتي هدرا


لملمْ غبائك وارتدَ إلى
من اشتراك أكفانا جاهزة


وأنا، 
لن أبكيك..

مأتمٌ وحيد سيرثي وجعي


أعدك،
 لن أحملكَ على ظهري ما دمتُ
متألمة، ولو كنتَ ترابا.



سوزان عون

2017-08-21

أُوصيكَ بسمائي


عندما تشتاقني،

 امضِ إلى ظلال تلك السنديانة
حيث التقينا أول مرّة.

لا تعبث بتاريخ اللقاء المحفور عميقا.

اضرم النار بما تساقط منها من يباس
،
لعلها تعود لسيرتها الأولى
وتلتقط أنسام الفجر الموعود وبقايا عطري.

قصص الأمس، كتلك الغصون المتطاولة
نحو سماء الصمود، تتساقط عطشا وهرما.
لن يبقى إلا وجه أرضي وحريتها.

 فككت حبائل الأحزان عن ذاكرتها
،
وأطلقت العنان لروحها المسجورة.

حطمت جدران الصمت من حولها وهجرتها
إلى أرض خصبة بعد أن ضربها الطوفان.

معزوفتي اليوم تسابق الريح
تشبه هجرة الطيور في مواسم الشتاء.

ترفّق أيها المنتظر بين سطوري
بوريدٍ يرسل دفقة من أمنيات
لا يفترسها الجفاء.

ادْنُ لعلك تَعدّ حبات الندى
التي تَكّورتَ بين حنايا الروح
وأقحوانات المنى.


عذرا..
ما اكتملت القصة بعد.

تسايرني الذاكرة

 كلما نويت الخلود إلى مرافئ الحلم.

 لربما قانعة
بما رحل مني أو ضاع
أو هو الرضوخ؟

لا..
العمر المتاح في جعبتي مقسوم
بين تغريدتين وغربتين.

تغريدة أُطلقها اليوم بصوتي الضعيف،
أوصي بها سنونوات الربيع المحلقة.

وتغريدة أخرى سوف تُذّكركَ
بها وفود المشتاقين لقلبك
بعدها يأتي صراع الارتقاء.

لا رصيد عندي إلا غصن واحد
بعد أن بلغتُ
من الارتحال بين المحطات عتيا. 


مآقٍ بيض أرهقها التعب فأورقت.

تأخرت وتعسرت الولادة، 

لكن ألا ترى أصابعي كيف
 يجمعن عبرات نجومي
ويمسكن فضائي أن يقع؟


أُوصيكَ بسمائي.

سوزان عون

2017-08-04

العمر يمضي يا صديقتي (قصة قصيرة)

No automatic alt text available.

قالت نهال وهي تضحك وتشير بأصبعها نحو مكتبتي العامرة بالكتب: حان الوقت لأشتري كتبا جديدة، أخر كتاب اشتريته من شهرين تقريبا، حملته وتصورت معه صورة (سيلفي) وأنزلتها فورا على (الفيسبوك).

 تزداد وتيرة ضحكها وتتأمل وجوهنا المسمّرة نحوها وعلى وجهها المصبوغ بكل ألوان الطبيعة كلوحة لرسام مبتدئ.

أجبتها: بل تقصدين حان الوقت لنقرأ كتابا يا نهال.

هنا طرحت نهال السؤال على الحاضرات، متى أخر مرة قرأتن كتابا سيداتي الجميلات؟

اشتبك الحوار كأنها فجرت قنبلة، وبدأت الصديقات يتذرّعن بالبيت، بالزوج والأولاد كالعادة وأنا معهن طبعا.

وأنتِ يا مريم، ماذا قرأتِ في الآونة الأخيرة، هيا أخبرينا..

طرحتْ السؤال عليّ، وفي عينيها نظرة ماكرة، كأنها تريد أن تسبب الإحراج لي.

نظرتُ نحو الجميع بمحبة وقلت، أخر ما قرأته هو عن سيرة وحياة الفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران، بل شاهدت شريطا مسجلا عن حياته على اليوتيوب،
شعرت برهبة أمام ما أنجزه هذا اللبناني المغترب..

في كل الأحوال، تفضلوا الغداء جاهز.

نهض الجميع إلا هدى، اقتربتُ منها وأشرتُ بيدي نحو طاولة الطعام، أعدتُ جملتي، قلت لربما لم تسمعني، الغداء جاهز تفضلي هدى حبيبتي.

لفتَ نظري وأنا أكلمها مسحة من الحزن تعلو وجهها وفي نبرة صوتها، فقلت بصوت منخفض: خير هدى، ما بالكِ؟

ردّت بصوتها الراقي المثقف العذب وهي تجلس جلسة الواثق من نفسه، تلفّ ساقيها بإحكام وظهرها مستقيم:  هذا الحال لم يعد يعجبني يا مريم، أشعر بنفسي غريبة بينكن.
لا أنكر بأنكن صديقاتي المفضلات، ولكن الجميع تغير، نعم أنتن تغيرتن.

تغيرنا، هل بدر منا أي تصرف سيء نحوكِ ولم ننتبه له؟ أجبتها بصوت متقطع.

جلستُ بقربها جلسة المنهزم، وطأطأت برأسي حتى غرق بين كتفي، حددي لي يا هدى بالظبط ماذا تردين قوله لو سمحتِ.

أجابتْ بصوت هامس أكاد أسمعه: حال الصديقات يزداد تغيرا نحو الأسوء، لم نعد كما نحن، وكما تعرفتُ عليكن على مقاعد الدراسة، الحياة ليست مأكل ومشرب فحسب، الحياة علم وثقافة ومعرفة.
بالتحديد، هناك تغير في سعة الإطلاع والثقافة والقراءة عند الصديقات.

أخبريهن بذلك، قلت لها.

لا يا مريم، من أنا لأحاكم الناس، عليّ لفت النظر لكِ فحسب كصديقة من سنين طويلة.

بارك الله فيكِ يا هدى، أرى وأشعر بما تفضلتِ به، ولكننا عموما نطرح هذه المشاكل في كل لقاء، وأعرف أن قيمة الإنسان تقاس بمدى إدراكه للأمور وسعة علمه وخبرته.
هنا قاطعت هدى حديثي، فرفعت يدي إشارة مني بأن لحديثي بقية.

نعم يا هدى، أرى ذلك، ما أشعر به يخنقني أكثر منكِ، ولكن ما باليد حيلة..
ما الحل، أرجوكِ قوليه، المفروض بأن يتم طرح هذه الهموم بشكل علني أمام الصديقات ونسمع أجوبتهن.

هنا قطعت سعاد الحوار، اقتربت مني وربتت على كتفي وقالت: خير يا مريم، لما هذا الحزن على وجهكِ، هل هناك أي أمر ما، أخبريني.
هدى هل حدث أي طارئ لمريم لا سمح الله؟

لا حبيبتي سعاد، مريم يؤلمها رأسها قليلا، هيا بنا إلى الطعام، هيا يا مريم قومي يا غالية، بعد الغداء ستتحسنين بإذن الله.

نهضتُ وأنا أشعر كأنني أحمل أثقالا إضافية على كتفيّ.
قلت في نفسي، سامحكِ الله يا هدى، لماذا لا تناقشين الحاضرات بما في رأسكِ، لماذا تختبئين دوما خلفي، كيف ستقدّرين وتعرفين بأننا نكبر ونتغير، والأيام لم تعد كما هي من ثلاثين سنة.

لقد تناقشنا بهذه الأمور مئات المرات، لم نعد تلك المجموعة من المراهقات الشابات، اللواتي يشدهن طموهن بخطوات سريعة مجنونة نحو الأمام..

نعم تغيرنا، وأصبح لكل منا ما يشغله عن الإهتمام بنفسه بالقدر الكافي.

إنه زمن أولادنا وأحفادنا، وهناك أيضا من يسرق الحلم من ناحية، ومن ناحية أخرى الكم الهائل من الأوجاع التي تأخذنا إلى أماكن لا نريدها.

من مع نهال أو مريم أو هدى؟

بقلم:  سوزان عون