Powered By Blogger

2016-05-13

حوار مع سوزان عون




1 -هناك كم كبير من التراث الأدبي والثقافي لدى المجتمع العربي في عصرنا الحاضر، وكتاب وأدباء ومثقفون في تزايد مستمر وفي المقابل هناك تراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث مما أدى إلى وجود جيل ليست لديه الرغبة في التواصل مع القراءة، إن كان هذا الكلام صحيحا، برأيكم ماهي الأسباب، وهل عجز المثقف والأديب العربي في الوصول إلى طرح مواضيع أدبية وثقافية بأسلوب عصري مشوق تتناسب وعقلية الشباب واجتذابهم، أم العكس ؟

وهل سعى المثقف العربي إلى إيجاد منهاج واضح لكسر حاجز ذلك التراجع وحث جيل الشباب على شغف المطالعة والتعرف على تراثهم الأدبي والثقافي؟

 التراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث سببه الظروف السياسية السائدة حاليا، وتعدد وسائل جذب أخرى شغلت الكثير من القراء عن المكتبة والكتاب، منها على سبيل المثال شيوع ظاهرة ثقافة النت وما تنشره من مواد هابطة، مضافاً إلى السببين المذكورين حالة الإحباط التي يعيشها القارئ العربي جراء ما يشاهد من حروب وثورات وفتن، وهي جميعا أسباب قد استنزفت طاقات الشباب وأرواحهم وحياتهم، وحصدت تلك الحروب الكثير من الثقافات والحضارات ودمرتها، ولم يقتصر ذلك على الحجر فقد طال ذلك البشر أولا وبعنف وبطرق وحشية، كبارا وصغارا ومن خيرة الشباب.

 ثمة سبب آخر، هو تنامي وتكاثر الطروحات الأدبية العشوائية، واختفاء الثقة بين القارئ والمقروء، وتراجع نسبة الالتزام الإبداعي والثقافة الأدبية الشعرية في النص.

فنجد كل مَنْ هبّ ودبّ يكتب، أوجدَ ذلك نصوصاً خالية من الإبداع الأدبي الفكري، وخصوصا بعد ثورة الأنترنت القوية والفضاء المفتوح وإباحة المحظور وكل ما يخطر على البال للجيل المراهق.

كل تلك العوامل، نفّرت الشباب من القراءة وفي الوقت نفسه قدم الأنترنت تسليات مجانية وفتح للشباب عيونه على الانحراف ودعمَ انحرافه بمواقع تلبّي احتياجات الشاب الفاسد من كل أدوات اللهو والفساد تخاطب غريزة القارئ لا عقله.

لا يوجد عجز كما طرح في السؤال، ولكن الموضوع أخطر من ذلك بكثير، هي حرب مدروسة لإنشاء جيل بعيد عن الفن والثقافة، ويكون أقرب إلى العنف وإدارة الحروب.
ننتظر الأحداث لتهدأ، فما يحدث من تغيّرات في البلاد العربية ومن محاولات للقضاء على الحضارات، وما ينجم عن ذلك من انعكاسات سلبية لها أثرها المخيف ومرعب، وينذر بكوارث أكثر من التراجع الأدبي.
وأجد حاليا جمعيات ثقافية فهمت وأدركت ما يجري، فعملت على إنشاء جمعيات ثقافية أدبية، تعنى بالنشئ الجديد وتمهّد لجيل يعي ما يتهدده من تحديات، تدعم قدراته وتقف بجانبه ليسمع صوته لكل الناس، وهنا أعطي مثالا على ذلك، جمعية حواس ومقرّها لبنان والتي أشغلُ منصب سفيرتها هنا في أستراليا، ورابطة أدباء العالم العربي والمهجر ومقرّها فرنسا والتي أشغل منصب مستشارتها في أستراليا.
هذه الجمعيات تقف كتفاً بكتف لدعم أيّة موهبة شبابية مغيّبة بشكل من الأشكال.
فتعمل الجمعيات على نشر إبداعاتهم وإسماع أصواتهم لكل الناس.

2 الكثير من يوجه اللوم إلى المؤسسات التعليمية في الدول العربية لطرحها الثقافة الأجنبية في قنواتها الدراسية بكثافة وإهمال الأدب العربي أو عدم إدراج مناهج أدبية وثقافية متميزة كافية ترتقي إلى المستوى

المطلوب تساعد على إيحاد جيل أكثر تفاعل مع ثقافته العربية، ما قولكم؟

هذا السؤال لا ينطبق على بلادنا العربية، فأنا درست في مدارس لبنانية ومدارس في دولة الإمارات العربية، وكانت كتبنا المدرسية تتحدث عن الحضارة العربية، وعن الشعر ورواده، أما إذا قصدت بعض المدارس التابعة لبلاد أجنبية وتعمل في بلادنا، وتدّرس المناهج الأجنبية، فهنا صار القرار فردياً ونابعاً من الشخص الذي يريد أن ينشئ أولاده على الثقافة الغربية.

 ولا أجد ضيراً من تعلم كل الثقافات والإلمام بها ولكن بدون تجاهل حضارتنا العربية الشعريّة الرائعة.

وأنا أطالب دولنا العربية من هنا ومن على هذا المنبر، بمراجعة كل الكتب المدرسية، وإصدار مناهج تحاكي أوجاعنا الحالية وما يجري حولنا من فتن وثورات بائسة وحروب مدمرة ودعوة الجميع ليكون واعياً للهجمة المركزة على الحضارة العربية الأدبية.

التركيز على حثّ التلاميذ للعودة إلى المحبة والسلام والألفة في التعامل في المجتمع بين الأفراد، ونبذ العنصرية الدينية والطائفية وترك محاسبة الناس على معتقداتهم لله سبحان وتعالى وعدم المس بحريات الآخرين أو التعدي على خصوصياتهم وأملاكهم.

القصة الأبلغ من كل ذلك، هي أن الثورات الحالية والتي تقتل باسم الدين والدين منها براء، دمرت الكثير مما كان مطروحا سابقا ونسفته وكان يدّرس في المدارس وعلينا إعادة النظر مجددا وإصدار مناهج جديدة تزنُ الناس بميزان الإنسانية وتحاسبهم حسب

ذلك كما قال إمامنا عليّ عليه السلام، الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظيرك في الخلق.

3  إلى أي مدى وصلت مكانة الشعر في حياة سوزان عون ؟
الشعر هو سوزان وسوزان هي الشعر، فهو حياتي وأنفاسي.
الشعر هو نبض الحياة وأنفاس الحضارات، والحضارات بلا شعراء وفنانين، لا قيمة لها.
الكتابة سمو وارتقاء، وحديث الروح للروح.

واستحضار الماضي بلسان الحاضر، فالشعر هو اللغة الروحية الإنسانية الأممية الخالدة التي يتركها البشر قبل أن يرحلوا وتظل أبد الدهر فكيف سيكون إذن في حياتي أنا.

 بالكتابة شممتُ عطراً لم أشمّه من قبل ليس له مثيل.
وحولي الغيوم البيضاء، ترسم لي في الفضاء أشكالاً وكلمات حب وقصائد أعجبتني إلى أن استمريت في التحديق بها، وأنا أحاول أن أقرأ كل ما تكتب.

بلا كتابة أشعر كأنني مغيّبة عن الجمال والفن والرسم والنحت والموسيقى.

4 – لو قلنا إن الصحافة العربية وبكل قنواتها المتاحة في استراليا – مقصرة ولم تكن حلقة وصل مهمة في نشر مساهماتكم الأدبية والثقافية وإيصالها إلى الآخرين ما هو ردكم، ومن ساهم أكثر بذلك ؟

لا أستطيع أن أحمّل الصحافة مسؤوليّة التقصير، فالوضع العام السائد، دفع الكثير من الناس إلى الانشغال بأمور على المحك ومصيريّة رغم أن الشعراء هم لسان أممهم والناطقون الرسميّون لهم والأقوى على نشر الوعي الثقافي والاجتماعي وإسماع العدو والصديق أوجاع أقوامهم.

وهنا أنتهز الفرصة لأشكر كل من وقف بجانبي ودعمني أو آمن بي كشاعرة أو أحب ما أكتب، أشكر والديّ وأولادي، أشكر أيضاً كلّ الأصدقاء على مواقع التواصل وأهمها الفيسبوك، فكل واحد فيهم ترك أثرا طيبا في داخلي وأشكر الصحافة العربية اللبنانية والأسترالية كجريدة التلغراف ورئيس تحريرها الأستاذ أنطوان قزي والأنوار ورئيس تحريرها الأستاذ سايد مخايل وبانوراما ورئيسة تحريرها السيدة وداد فرحان  وجريدة العراقية ورئيس تحريرها الأستاذ أحمد الياسري وأشكر والدي الروحي المخضرم الشاعر الأستاذ يحيى السماوي ووالدي الروحي الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، وأوجه شكر كبير للباحث الأستاذ ماجد الغرباوي ودعمه لي.
ولن أنسى الصديق المميز الملحن الفلسطيني الأستاذ والأخ ياسر عمر وأعتذر إذا سهوت عن ذكر البعض.


  5 بالنسبة إلى قصيدة النثر، يقاطعها البعض ويعتبرها أدب غربي دخيل على الشعر العربي؟
 كيف يكون ذلك؟

نحن نعيش عصر تلاقح الحضارات وتبادل العلوم والمعرفة في زمن أصبح فيه العالم شاشة حاسوب وليس قرية كونيّة، فما المانع من إثراء الأدب العربي بجنس أدبي جديد؟

أليست الرواية أوربية النشأة وقد استفاد منها الأدب العربي فأصبحت لنا روايتنا العربية التي وصلت مرحلة العالمية فحصدت جائزة نوبل؟

نحن نستورد من الغرب السيجار والحذاء وحتى الحنطة والشعير وليس السيارة والتلفزيون والحاسوب فحسب، فما المانع من الاستفادة من فنونه الإنسانية لإنماء فنوننا العربية؟
الإنسان واحد حتى لو اختلفت الجنسيات والأعراق، لأننا في النهاية نستظل شمسا واحدة.

أتمنى على الذين يقفون ضد قصيدة النثر أن يستفيدوا من الدرس المجاني الذي قدمه لنا الزمن عندما شهر حرّاس القصيدة العمودية أصواتهم ضد قصيدة التفعيلة والشعر الحر فتلاشى ضجيج رفضهم وبقيت قصيدة التفعيلة والشعر الحر.

6 - عندما نتحدث عن فن كتابة القصة القصيرة،   ربما يقع الكاتب في متاهات وتخبط الابتعاد كلياً عن أساس المادة القصصيّة الناجحة، باعتبار أنّ المحادثة والحوار اليومي بين الناس تعتبر جزء فني في القصة، هل لكم رأي آخر ؟

القصة تعني القصّ / الحكي.. فالقاص هو حكواتي، غير أن للقصة القصيرة ثوابتها التي تختلف عن الرواية والقصة الطويلة..

فإذا كانت الرواية تتطلب الإفاضة والإطناب وذكر التفاصيل وما هو ثانوي تبعاً لتعدد الأحداث والشخصيات، فإن القصة القصيرة تتسم بالإيجاز وذكر الجوهري وعدم ذكر الهامشي والثانوي.

 8  - من المعروف، هناك لغتان إحداهما تسمى لغة رواية وأخرى لغة الرواية الشعرية، كيف يتسنى لنا أن نعرف المشترك والمختلف بينهما، والاثنان يستخدمان الجنس الروائي والتعبيري في الحوار؟

اللغة واحدة، لكن البنية الأسلوبية تختلف، فالرواية الشعرية تعتمد على جمالية اللغة وشعرنة الجملةـ بمعنى تقريب الجملة من الشعر على صعيد البلاغة واستعاراتها المجازية وخيالها كما في رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، بينما اللغة في الرواية العادية لا تولي أهمية للبلاغة والانزياحات اللغوية، وقد تلجأ أحيانا إلى استخدام اللهجة الشعبية في السرد كما في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ.


9 ما هو دور المثقف اليوم فيما يجري حالياً في كشف عورات السياسيين وما الحجم الذي تحمّلهُ من أعباء نتيجة لذلك، وما درجة ثقة الجماهير العربية بهذا الدور ؟

دور المثقف كدور أيّ مواطن شريف يعيش في بلده أو بالاغتراب وهو دور كبير وحساس، فتراه يهتم بِقيمه ووطنه وشعبه وراحتهم وسعادتهم.

المهم دوره يظل كالشمس التي تنير وتشرق لتكشف أي فساد، ويسلّط الضوء من خلال قصائده على 

المنابر أو مقالاته المكتوبة على الحقائق والمفاهيم والأصول إن غابت.

وذلك لا يكون إلا بإلمامه بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وإلا لا يكون مثقفا، بل مردداً لكلمات يحفظها أو ساكتاً على ظلم السلطان وجوره.

فلا يكون المثقف صوتاً لشعبه المظلوم والمهدور حقه، ولا يكون الناطق بأوجاعهم وأحلامهم فيطالب الساسة بها.

تاريخيا، تحمّل المثقف عبئاً ثقيلاً كلّفهُ حياته أحيانا، والتاريخ لا يخلو من حكام ظلمةٍ فتكوا بالمثقفين وقطعوا رؤوسهم وأعدموهم وصلبوهم فيا للأسف طبعا.

ولولا كلمة المثقف المسموعة والمرئية والمقروءة والخوف منها واحترامها من عامة الناس، لما سمعنا بظلم السياسيين ولا عرفنا ببطشهم.

والشعب المقهور المسلوب حقه في رفع صوته، ينتظر من يصرخ عنه أو من يطلق شرارة الانتفاضة ليسانده ويدعمه، فكلمة المثقف لا زالت ولله الحمد مسموعة ومحل احترام حتى أيامنا هذه، وهذا من طبيعة الشعب العربي الذي لا زال يستأنس بالشعر وبالشعراء وبالمثقفين ويراهم شعلاً من المحبة تطفئ نار الخائنين وأيادي خير وغيث لمساندة فقراء المجتمع، فيساندهم بحبه لهم وإبداء الاحترام والتقدير.

مما جعل مكانة الشعراء عالية لدى شعوبهم، كمكانة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في العراق ومكانة محمد مفتاح الفيتوري في السودان، وقبلهما مكانة حافظ إبراهيم في مصر كأمثلة وليس حصرا.

10 -  المتلّقي العربي يعيشُ أزمة الثّقة بمثقفيهِ بالوقت الراهن بحجة أن أغلبهم ما زال في مرحلة تعتبر بدائية مقارنة بالتقدم الثقافي الذي وصل إليه المثقف الغربي، ويعزون ذلك إلى أمور كثيرة منها توفر الاستقرار والمساندة المباشرة وحرية التعبير في بلدانهم وغيرها، كيف الحل لهذه المشكلة؟

لا أعرف ما المشكلة حقيقة الأمر بالثقافة العربية المجيدة التي شرّفت حضارات وأمماً وعوالم ولا زالت.
المشكلة الحالية هي مشكلة خاصة بالمتلقي العربي، لا نستطيع أن نعمّمها وجعلها مشكلة عامة.
بلادنا العربية والجاليات الاغترابية لا زالت تضخّ مثقفين وفنانين وشعراء وأدباء، فلا أجد أنّ هناك مشكلة كبيرة تستحق هذا الخوف.
لولا إنقاص اسم أو نسيانه لكنتُ ذكرتُ لكَ لوائح طويلة عريضة تضم مبدعين من كلّ البلاد العربية والاغترابية ومن الجنسين، رجالاً ونساءً.
وأما المشكلة التي ترخي ظلالها حالياً، هي الأزمات السياسية المرّة التي تدمر الأخضر واليابس، وهي مؤامرات عالمية مدفوعة الأجر وأُنفقَ عليها الملايين لتدمير البنى التحتية والثقافية والسياسية والاجتماعية وإحلال الفساد مكانها
ولكن لتلك الثورات أيضا فائدة، فهي محرّضة شعرياً على رأي المتنبي: مصائبُ قوم عند قوم فوائد.

 ولكي أكونُ أكثر إنصافا ودقّة، إن الأحزان التي زرعتها الحروب في نفوسنا، جعلتنا ننسى أفراحنا ونكتبُ عن النصر والدفاع المقدس ونعيش أوجاع الشعوب، فلا ننسى الأشعار التي كُتبت عن الحشود الشعبية التي انتظمت في صفوف جماهيرية واسعة تطالب بحقوقها وطرد المحتل وتحارب الهجمات الإرهابية الفاشيّة التي فتكت ببلادنا وأرزاقنا.

قل لي من فضحَ الرؤساء المرتشين الفاسدين في كل مكان، أليس الشاعر الذي أنهكهُ وجع أهله وأرضه ومشاهدته السرقات الكبيرة التي تنهبها أيد داخلية؟

11 - كيف استفاد الأديب العربي من وسائل الاتصال الحديثة كالأنترنت، وإن لم تكن هل لها مساوئ واضحة؟

لكل اختراع، قديم وحديث فوائد إيجابية وسلبية، وكل آلة أو كل جهاز يعتبر سلاحا ذا حدين، كالأنترنت تماما، فلا نستطيع أن ننسى خوف الأجداد والأهل قديما عند اختراع التلفزيون والراديو والكثير من الأجهزة.

والأنترنت حاليا، هو منبر المثقف والشاعر الذي من خلاله يطلّ على المجتمع والناس ويوصل صوته وكلماته لجماهيره.

فلولا الأنترنت مثالاً لا حصراً، لمَا عرفتني ولا عرفتك أخي سلام، وحضرتك مقيم في ملبورن وأنا في سيدني.
إذن استخدام الأنترنت بطرق صحيحة، يربط العالم أجمع ببعضهِ ويكون فعلا قرية واحدة.
إذن للأنترنت حسنات جمّة إذا أحسنّا استخدامه.
أما مساوئه، فحدّث ولا حرج، كالسكين تماما بيد الأحمق، لا نعرف أين سيغرزها.

تَرك الأطفال يقلّبون بالأجهزة الحديثة من حواسيب وأجهزة محمولة(موبايلات) بدون رقابة، حتماً سيؤسس جيلاً خرِبا، اطلّع على أمور أكبر من عمره وأصبح مدمناً عليها، وأصبح خطراً حقيقياً على أيّ مجتمع يعيش فيه ولن تردعه أي قيم سلوكيّة أو دينية.

علينا الوعي واستدراك حلول تناسب هذه المرحلة الجديدة ولا نعتمد على ما سلف.



هنا أرفع صوتي عسى أن يصل لكل أسرة ولكل أم وأب، وأقول; ليس المهم أن نُنجبُ أطفالاً المهم أن نحافظ عليهم ونربيهم تربية صحيحة نظيفة وطاهرة.

12 -  ما أهمية قيام مهرجانات للأدباء والكتّاب العرب؟
وبصراحة، هل لديكِ قناعة كافية بالدور الذي يلعبه الأديب العربي بكل هذه الأمور، وهل هي كافية وتلبّي طموحات المثقف العربي على مستوى الساحة الأسترالية؟

المهرجانات واللقاءات والمحاضرات تُعزّز العمل الثقافي وتعمل على نشره وبث روح التنافس الشريف بين المبدعين، وتخلق جوا يسوده الفن والإبداع.

 وهذا ما يحتاجه كل منّا، فلولا تلك الاحتفالات، لانحسر الحس الفني الموجود داخل النفس البشرية، فمن خلال تلك الاحتفالات ينفّس المبدع عما يجول في باله وينشر أمام الملإ آخر إبداعاته..

 كما أن للمهرجانات فائدة مهمة للأديب ذاته لأنه تجمعه بزملائه الأدباء المتباعدين جغرافيا.
عندي إيمان قوي بالدور الذي يلعبه المثقف في المجتمع، ولولا هذا الدور لمْ تكلف حضرتك عناء إرسال هذا الحوار الجميل لأجيب عليه وتنشره حضرتك لاحقا في جريدة بانوراما ويقرؤه الآخرون.

لولا الدور المهم الذي يلعبه المثقف العربي لمَا وجدت ما أكتبه عن حراكه المهم والمميز في إشعال فتيل الانتفاضات بين الأمم.

  أما على مستوى الساحة الأسترالية، فنحتاج لهذا الحراك الثقافي الإبداعي جداً وكثيرا، فهو الجسر الذي يربطنا باللغة الأم.

ولولاه لمات الحرف واختنق اللون وضاعت المعاني الجميلة.
وأيضا على المستوى الأسترالي، أكيد، إذا نظرنا حولنا جيدا، أكيد سنراهم ونسمع بهم.

هناك نتاجات عربية اغترابية أسترالية، ولكن قلّة الاهتمام بنشاطاتهم وتسليط الضوء عليهم، يشعرهم بالخذلان والضعف، فيسكتون عن وجع..

يجب الاهتمام بكل مبدع مغترب في أستراليا، وإنشاء رابطة ثقافية لها وزنها وحضورها القوي وعلى مستوى كافة الولايات الأسترالية، تعمل على زيارة كل ولاية على حدة وتسجيل أسماء المبدعين فيها وما قاموا به وأنتجوه.

وهنا أود أن أنوّه بالخطوة النوعية التي قامت بها الأخت الدكتورة بهية أبو حمد بإيعاز من الشاعر المخضرم شربل بعيني في إنشاء مكتبة تضم كل الإنجازات العربية وتوضع هذه المكتبة في القنصليات العربية لحفظ النتاج العربي الاغترابي.

ويكفينا فخراً نحن في أستراليا وجود القامة العراقية المخضرم الأستاذ يحيى السماوي، الذي أجده مدرسة إنسانية نتعلم منها كل يوم ونتشرف بمعاصرتنا له.
والقامة اللبنانية الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، والشاعر الإعلامي القدير أنطوان قزي وهناك الكثير الكثير، لهم منّي كل الاحترام والتقدير.
وستقوم رابطة البياتي مشكورة بتكريمهم في يوم 22 وتوزيع الشهادات التقديرية تشجيعا لهم وإسماع العالم أصواتهم.
ومن هنا أدعو الجميع إلى حضور هذا الحفل الثقافي المبهر والمشاركة فيه دعماً للإبداع والفن والثقافة.
وهناك معرض للفنون التشكيلية في يوم 12، يشترك فيه الفنان العراقي حيدر عباس في سيدني، وهو معرض يشرّف كل فنان ووجود هكذا إبداع مميز وبهذه الجودة والإتقان.

14 -  لأنهم لا زالوا يظنون ويعتبرونه مجرد أدب في طريقه نحو التطور متى يعترف أدباء الغرب بالأدباء العرب المعاصرين؟
لا يا أخي، الغرب عرف قيمة أدبنا العربي منذ عقود كثيرة، وبعض كبار الأدباء الغربيين تأثروا بالأدب العربي كالشاعر الإيطالي الكبير دانتي في ملحمته الكوميديا الإلهية وتأثرها برسالة الغفران لأبي العلاء المعري حسب رأي كثير من النقاد العرب والأجانب، كذلك نلاحظ الحضور الكبير لجبران خليل جبران في المشهد الأدبي الأمريكي، ولنا في حيازة نجيب محفوظ على جائزة نوبل، والطيب صالح الذي عدّتْ روايته " موسم الهجرة إلى الشمال " من بين أفضل مئة رواية في العالم.

15 -  عربياً برأيكم هل هناك أزمة في الشعر أم في الشعراء؟
هنا ليس الشعر وحده في أزمة، فالواقع العربي يعيش أزمات في السياسة والاقتصاد والتنمية وفي كل مناحي الحياةـ وجميع هذه الأزمات هي انعكاس للأزمة الكبرى: الفساد السياسي.

17  ليلى حتى الرمق الأخير، هو عنوان لمجموعتكم الشعريّة التي صدرت مؤخرا بالتعاون مع مؤسسة المثقف في سيدني، بما تميّزت من خصائص؟

 أعتبرُ مجموعتي الشعريّة ليلى حتى الرمق الأخير، هدية ثمينة في حياتي، لأنها تحتوي على خلاصة تجربتي كامرأة تحدّت كل الظروف لتُسمِع صوتها للعالم، وتتحدى النظرة السائدة حول المرأة ولأضع أسس جديدة في حياتي، وأكون جديرة بالحياة فأترك بصمتي الخاصة بي قبل رحيلي.

وهذا ما قاله الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني عن المجموعة الشعريّة..
عندما طلبتْ مني الأختُ الشاعرة سوزان عون أن أتكلّمَ في ندوة توقيع ديوانها الجديد "ليلى حتى الرمَقِ الأخير"، وافقتُ دونَ تردّدٍ، كيفَ لا، ونحنُ بأشدّ الحاجةِ إلى أدبٍ أُنثَويٍ في غربتِنا هذه.
 لذلك اسمحوا لي أن أسلّطَ الضوءَ، بشكل سريع، على التمدّد الشعري عند سوزان عون.
والتمدّدُ الشعري هو ألا تبقى في مكانِكَ كشاعر القبيلةِ، أو أن تتقوقعَ في حزبيةٍ ضيقةِ، أو طائفيةٍ بغيضة.

هو أن تضمَّ الجميعَ تحت جناحيكَ، وتشعِرَهم بدفء إنسانيتكَ، لتبلُغَ العالميةَ، ومجنونٌ من يعتقدُ أن العالميةَ هي الكتابةُ بلغةٍ أجنبية.
 لا وألف لا، العالميةُ هي أن تُبدعَ بلغتك أنت، لأن الكونَ كلَّه، تحوّلَ إلى قريةٍ صغيرة، بوجود الأنترنت.
سوزان عون كما تَروْن، شاعرةٌ مؤمنةٌ مسلمةٌ محجبةٌ، ومع ذلك تمدّدت في أشعارها، وسطعتْ بإنسانيتها كشمس قريتها الكفور في قضاء النبطية، ورفضتْ أن تكونَ شاعرةَ القبيلة.

وها هي تفكّ أغلالَ المرأة العربية المهمّشة وتتمددُ نحو الحب بجرأة بالغة:
"اسمع أيّها الآدميّ.
أنا شوكةٌ داميةٌ في خاصرةِ الحَصادِ،
أبرعُ كما نسائمُ الساكنينَ على رِمشكَ..
متوردةٌ أنا، في حُشاشةِ الصّبا،
يقتبسُ منّي كلُّ المجادلينَ في أزليةِ الحبّ
فيُخْفِقُونَ، وأنتصر أنا..
أنتصرُ أنا".

ولم تكتفِ بذلك بل راحتْ تهدّدُه بإغرائها الأنثويِّ العاري من الأوراق:
سأغرزُ إغرائي فيكَ
بكلّ ما أوتيتُ من أنوثةٍ
وأتقلّبُ بينَ ناظريكَ
كهاربةٍ مجرّدةِ من أوراقي".

إلى أن تبلُغَ ذُروةَ التحدي في هذا المقطعِ المثيرِ الرائع:
"حبّاتُ الكرزِ تلك، ما أينعَ مجدُها بعد،
ولن تعصُرَ لكَ نبيذاً، سَلْني أنا.
 أنا ليلى حتى الرَّمَقِ الأخير".
واللهِ، والله.. هذا هو الأدبُ الأنثويُ الجميلُ.

سوزان عون التي تنقلّت بين البلدان إلى أن حطّتِ الرحالَ بيننا، تأبى إلا أن تغرُفَ من التراث الفرعوني المصري هذه الصورةَ الجميلة:

"يحنّطُ الذكرى كمومياءٍ لئلاّ تموتَ
ويحفظُها في هرمِ القلبِ زخرفاتٍ أبديّة"
كما أنها أهدتِ العراقَ "قرابينَ عِشقها"، وتكحّلت بترابه:
أنا من تُربَةٍ سقاها حُلُمُ الصبا،
خطّ على جبينِها اسمي،
فتكحلتُ كعروس الفرات الخصيب".

أما التمددُ الأجمل فكان مسيحياً صرفاً، وهذا ليسَ بغريبٍ على شرفاءِ الكلمةِ، فلنسمعْها تصرخُ:
أحلمُ بأجراسِ مدينتي
تَقرعُ في ليالي اللقاء،
تَرفعُ الغربةَ عن صدرٍ متعطّشٍ لحضنِ الوطن".

وصدقوني إن لم نحلمْ حُلمَ سوزان عون في هذا الزمن التعيس، القاتل، ونبتهجْ لسماعِ الأجراسِ والآذانِ معاً، سيضرِبُنا الله بصمم قد لا تحسدُنا عليه الصخور.

ولكي تُثبتَ القولَ بالفعلِ بدأتْ باتبّاع آثارِ القديسينَ:
"كسَرَتِ الرسلُ كلَّ أصنامِ الجمودِ
وتبِعْتُ أنا آثارَ القدّيسين"
وفي نفس الوقت راح "هديرٌ سماوي لقداس في معبد" يحوّلها إلى "أيقونة من زمن أمي حواء".
الآن بدأت أفهمُ لماذا عجائبُ القديس شربل تشفي المسلمين أكثر من المسيحيين.
تصفُ سوزان عون نفسَها بالغيمة الغافيةِ على بساطٍ من وجع"، وأنا أصفُها بالغيمة المباركةِ التي أمطرتْ من وجعِها فرحاً، بدأنا نتنعّمُ به في غربتنا هذه.
وشكراً.
الشاعر شربل بعيني
رئيس تحرير الغربة

16 -هل من نتاج أدبي جديد في الأيام القليلة القادمة؟

حتماً، فأنا أحضّر لمجموعة شعريّة ثالثة ستكون خطوة جديدة لي وبأسلوب شيّق.
لن أتحدّث عنها الآن، لكيلا أفقد العمل رونقه.
في الختام، أودّ أنْ أشكر حضرتك أستاذ سلام السماوي على هذا الحوار الغني والشيّق معاً.
وأشكر صحيفة بانوراما\ ملبورن على النشر للحوار.
دمتم للإبداع ولأهله صوت حق صدّاح.
سوزان عون\ سيدني أستراليا